حسن حسني عبد الوهاب

610

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

ابن عمر بعد ذلك : رأيت في منامي كأن سحنونا معلّم صبيان بيده درة فأعطانيها . وقال : قم على الصبيان ، فأوّلتها خلافته في تعليم الناس . وهكذا اندفع يحيى يحقق ما صوره له حلمه ، فأخذ يلقي دروسه في جامع القيروان . وكان يميل إلى الأناقة في مظاهره فيستثير راكبا الحقد في نفس ابن عبدون حتى ليبدو على صفحات وجهه . واتخذ لنفسه في الجامع كرسيّا يجلس عليه عند السماع . وحدب على تلامذته فكان بهم حفيّا يحرضهم على طلب العلم ، ويشرفهم بالمؤانسة والإكرام . وفي هذه الفترة من حياته كان النزاع على أشده بين فقهاء المالكية - وهم الممثلون للمعارضة في الحكم - وبين الحنفية المندفعين لتأييده تأييدا مطلقا . واتخذ النزاع السياسي متنفسا للظهور في الجدل المذهبي أحيانا ، كما شنّ حملة على بعض العلماء الذين كانوا يؤمون " مسجد السبت " للذكر والعبادة ، وينشدون الأشعار بتطريب فرادى وجماعات . وكان ابن عمر يتمثل بقول بعض الحكماء " التفاتة خير من دمعة " كما يتمثل بقول الشاعر : اخفض الصوت إن نطقت بليل * والتفت بالنهار قبل الكلام ويشاء ربّك أن تصدق مخاوفه ، فيرتقي لخطة القضاء سنة 275 ه ابن عبدون العراقيّ المذهب ، ويندفع كالموتور ، يسجن ويقتل . ويكون يحيى بن عمر بعض غرضه فيخرج من القيروان خائفا يترقب مارّا في طريقه بمنزل عراقي فإذا هو تنيره شمعة فيخالها بدرا منيرا ، ولا يريم مكانه حتى يكون الظلام حالكا . وها هو ينتقل مختفيا ورغبة ابن عبدون تلاحقه في القبض عليه حتى يلوذ برباط سوسة بعد أن مكث مدة بتونس . وما هو إلّا زمن قصير حتى تفتح عين الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي على مظالم قاضيه ابن عبدون وتهوله كثرة الضحايا فيعزله قائلا : " لو تركته لأحدثت له مقبرة " . وجريا من هذا الأمير على سنته استدعى بعد ذلك يحيى بن عمر ليستقضيه